مدينة مجنحة في مرايا  متشظية

مدينة مجنحة في مرايا  متشظية

أخذ الفنان محمد السالمي ،خلال العقد الأخير ، في النزوع شطر التخفف من أواليات التمثيل ،  وشرع بشكل جزئي في التحلل من إشراطات البراديغم التشخيصي .إلا أنه ما انفك، في ذات الٱن ، يبدي تبرمه من كل إيغال مفتعل في خرائط التجريد . لأن تجريد  اللوحة من  إحالتها المرجعية الى الواقع الموضوعي ،  يمثل في تصوره ، ضربا من الإغراق في فراغ المنجز البصري، كما يعتبر إهدارا للمعنى لفائدة  التوازيات الكروماتية، وتوازنات الكتل والأشكال.يقول بيكاسو : ” لنتصور على سبيل المثال، قناصا تجريديا ، فماذا سيكون صنيع هذا القناص ؟  إنه لن يقتنص شيئا ٱخر غير الفراغ ” . وحال الفنان التشكيلي حسب محمد السالمي شبيه بالقناص ؛ إذ لا يمكنه القبض على الفراغ، وليس بمقدوره أن يتعقب طريدة مجردة أو  ليس لها معادل موضوعي في الواقع. وفينومينولوجيا التصوير الفني في الأنموذج التمثيلي، بسائر تلويناته الإنطباعية و ما بعد الإنطباعية والتعبيريةوالفطرية والتوحشية  والسوريالية والتكعيبيةوالتشخيصية المحدثة،لاتتناسب مع هذا الغلو في التجريد الخالص، أو الإسراف في رسم خطوط القطيعة مع معادلات الواقع الخارجي، بكل ما يستتبع هذه القطيعة من  محو إيقوني، وإتلاف لشفرة العالم ومحو لإسناداته المرجعية.

واختيار محمد السالمي للتكعيبية، كأسلوب في التعبير البصري ،عنوان على إصراره على عدم الوقوع في خواء المعنى وانتفاء الموضوع انتفاء جذريا . بيد أنه ظل حريصا على العبور الخلاق من التمثيل الميمي و المرٱوي لمعطيات العالم الموضوعي الى المقاربة التصورية أوالمفاهيمية التي تعيد تشكيل الموضوعات على صعيد الوعي البصري، وتخلصها من ارتباطاتها الفيزيقية وعلاقاتها السببية، لتجعل منها محض كتل متشظية، متقطعة ،شائهة لا تنتظم في أفق التلقي الأوقليدي، ولا تنضبط لاتساقاته.

و ليس بخاف أن إستتيقا التكعيب ، سواء مع بيكاسو أو براك أو خوان غريس أو سواهم ، لا تمحو حضور العالم في كليته ،ولا تجرده من جميع محمولاته ومتعلقاته الموضوعية و قوانينه الفيزيائية ، إنما تعيد تشكيل علاقاته وتمفصلاته كما تتبدى  في ذهن الفنان ، وكما ينشؤها مخياله الفني ، وليس كما تطالعه في الواقع.وفي سياق مفهمتها للعالم ، وتشكيلها الذهني لأشيائه وكائناته، تعمل التكعيببة عبر تقطيع الموضوعات  وتشظيتها ومشهدتها ، على فك وشائجها وتمييع تناغمها و تفتيت تساوقها ، لتغدو في صورة سطوح وكتل وتعاريج وخطوط وتفاريق كروماتية تحيا حياة أخرى هي حياة اللوحة الفنية.

يقول كوبل G.Coppel : ” إن نظرة الفنانين تختلف عن نظرة غيرهم من الأشخاص ؛ فهؤلاء يكتفون بالتطلع إلى الموضوعات كما هي، فيما يوثر الفنان الملامح التي تبدو غفلا من كل قيمة أو التي لا تحمل إسما أو وسما .إنه لا يصور إلا ما لا ينقال وما لا يمكن الحديث  عنه ” . وفي تصويره لمدينة الدار البيضاء ، و لشوارعها ومؤسساتها ومنشٱتها وإقاماتها ،لا يقتصر محمد السالمي على تمثلها كما هي معطاة لإدراكنا الفينومينولوجي ، بل يعيد إنشاءها على صعيد التصور الذهني ، ويعمل بالتالي على نقلها من مستوى الرؤية البصرية  والفيزيقيةl’apparaître  الى مراقي السرد التخييلي والتشكيل المفاهيمي الخلاق. بحيث  تطالعنا عمارات البيضاء وإقاماتها كما لو أنها كائنات أورفية متصاقبة، مجنحة ، تتخاتل عبر مرايا محدبة ، وتترنح بفعل دوار عاصف، وتتهادى في سديم كروماتي أخاذ. وعبر  أواليات التقطيع والتشذير والتحريف والتشويه التي يتوسل بها في استراتيجيته التكعيبية، يطمح محمد السالمي إلى شجب مناحي الفلتان و الهجانة والإستلاب والألينة والازدواجية القيمية التي صارت جزءا من الحياة النيو الليبرالية المعولمة لمدينة البيضاء.

وعبر هذا الصنيع تمثل تجربة محمد السالمي الفنية الجديدة إيماءة حصيفة وولماحة إلى التحولات الهيكلية التي غدت البيضاء ميدانا لها ، كما تنتدب نفسها لتكون لحظة تأمل إبداعية في مسار مدينة عصرية أخذت، بحكم اتساعها وتمدينها وتعقد بنائها المورفولوجي ،  تفقد شروط السلم الإجتماعي و طقوس التساكن البينذاتي المشترك ، و أصبحت تتخذ بالتدريج لبوس  حاضرة ميغابولية جبارة  تتعولم  وتتنامى ،لكن تتناسل في رحمها الأضداد والتناقضات الأكسيولوجية، وتنخرها الهشاشات الإجتماعية.و من خلال هذه الإيماءة الدالة يقدم محمد السالمي ملمحا من ملامح التزام الفنان الإستتيقي والأكسيولوجي.

                       د. محمد الشيكر          باحث في الجماليات     جامعة محمد الخامس / الرباط